يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

201

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

يتمثل ولا يتقدّر ، بل خلق اللّه الزمان جديدا ويخلق فيه خلقا جديدا ، هكذا سرمدا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين ، فسبحان الحكيم العلام الخلاق على الدوام ، ويخلق ما لا تعلمون ، وقد تهدي لهذا لمعنى الذي يقول : منع البقاء تصرف الشمس * وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها بيضاء صافية * وغروبها صفراء كالورس يقال : إن قائل هذا هو تبّع الأوّل وكان مؤمنا ، وفي هذا الشعر بعد الورس : تجري على كبد السماء كما * يجري حمام الموت في النفس اليوم أعلم ما يجيء به * ومضى بفصل قضائه أمس وقد كذر بعض العلماء جميع ما ذكرته ، وتعلق الأشياء بعضها ببعض ، وافتقار كل شيء إلى شيء ، واضطرار كل أمر إلى غيره ، واحتياج الوجود كله إلى أن يكون كما هو الآن عليه مما لا يستغنى عنه ، حتى مثّل لك الدنيا أمامك على هيئتها وصفتها ، ذلك تقدير العزيز العليم ، المفتقر كل ذلك إليه وحده ، الذي يمسك السماوات بغير علاقة ، والأرضين دون دعامة ، بل بلطف القدرة وخفي الحكمة ، وهو اللطيف الخبير ، وهذا الذي ذكره هذا العالم أين يقع في علم من فوقه من العلماء والحكماء ، ثم ارق إلى علم التابعين ، واصعد إلى علم الصحابة ، واسم إلى علم رسول رب العالمين الذي أوتي جوامع الكلم وبدائع الحكم واختصر له الكلام اختصارا ، ثم اعل إلى علم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والملائكة المقرّبين صلى اللّه عليهم وسلم أجمعين ، فإذا انتهيت إلى هنا فاتل ما قاله إلهنا : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . فالحمد للّه الذي أعطانا من علمه قسما نعلم به أن له علما ، وعلمنا كصفتنا ناقص ذو آفات وعيوب ، وعلمه لا إله إلا هو كهو لا يسع كنهه القلوب ، كيف وهو علام الغيوب قديم أزلي حكيم عليّ ، لا تحيط به الأفهام ولا تصوّره الأوهام ، بل كل في كنه رصفه قد هام ، سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح . ويكفي من ذلك ما أضربه لك مثلا محسوسا ، وهو ما قاله الخضر لموسى على نبينا وعليهما السلام والتحية والإكرام ، وقد أراه الآيات المستبينة حتى وقع العصفور على السفينة ، فأخذ بمنقاره من البحر بلّه وناهيك بها قلّه : يا موسى ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر . وفي رواية : ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللّه إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره . ولعلك أن تلحظ من مقتضى هذا الحديث قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ